معالم في الطريق

سيد قطب

تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية… لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها… فهذا عرض للمرض وليس هو المرض… ولكن بسبب إفلاسها في عالم “القيم” التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموا سليما وتترقى ترقيا صحيحا، وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من “القيم”، بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعدما انتهت “الديمقراطية” فيه إلى ما يشبه الإفلاس، حيث بدأت تستعير – ببطء – وتقتبس من أنظمة المعسكر الشرقي وبخاصة في الأنظمة الاقتصادية! تحت إسم الاشتراكية!

كذلك الحال في المعسكر الشرقي نفسه… فالنظريات الجماعية وفي مقدمتها الماركسية التي اجتذبت في أول عهدها عددا كبيرا في الشرق – وفي الغرب نفسه – باعتبارها مذهبا يحمل طابع العقيدة، قد تراجعت هي الأخرى تراجعا واضحا من ناحية “الفكرة” حتى لتكاد تنحصر الآن في “الدولة” وأنظمتها، التي تبعد بعدا كبيرا عن أصول المذهب… وهي على العموم تناهض طبيعة الفطرة البشرية ومقتضياتها، ولا تنمو إلا في بيئة محطمة! أو بيئة قد ألفت النظام الدكتاتوري فترات طويلة! وحتى في مثل هذه البيئات قد بدأ يظهر فشلها المادي الاقتصادي – وهو الجانب الذي تقوم عليه وتتبجح به – فروسيا – التي تمثل قمة الأنظمة الجماعية – تتناقص غلاتها بعد أن كانت فائضة حتى في عهود القياصرة، وتستورد القمح والمواد الغذائية، وتبيع ما لديها من الذهب لتحصل على الطعام بسبب فشل المزارع الجماعية وفشل النظام الذي يصادم الفطرة البشرية. 

ولابد من قيادة للبشرية جديدة!

إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال… لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية… ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من “القيم” يسمح له بالقيادة. 

لابد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدة كاملة – بالقياس إلى ما عرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته.

والإسلام – وحده – هو الذي يملك تلك القيم، وهذا المنهج. 

 

 

 

لقد أدت النهضة العلمية دورها… هذا الدور الذي بدأت مطالعه مع عصر النهضة في القرن السادس عشر الميلادي، ووصلت إلى ذروتها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر… ولم تعد تملك رصيدا جديدا. 

كذلك أدت “الوطنية” و “القومية” التي برزت في تلك الفترة، والتجمعات الإقليمية عامة دورها خلال هذه القرون… ولم تعد تملك هي الأخرى رصيدا جديدا. 

ثم فشلت الأنظمة الفردية والأنظمة الجماعية في نهاية المطاف. 

ولقد جاء دور “الإسلام” ودور “الأمة” في أشد الساعات حرجا وحيرة واضطرابا… جاء دور الإسلام الذي لا يتنكر للإبداع المادي في الأرض، لأنه يعده من وظيفة الإنسان الأولى منذ أن عهد الله إليه بالخلافة في الأرض، ويعتبره – تحت شروط خاصة – عبادة لله، وتحقيقا لغاية الوجود الإنساني. 

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوني} [الذاريات: 56]. 

وجاء دور “الأمة المسلمة” لتحقق ما أراده الله بإخراجها للناس: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110]، {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]. 

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.