خواطر سجين

أبو حذيفة السوداني

 

مقدمة الناشر

هناك خلف أسوار السجون، تدور فصول معركة كبرى، لا تقل أهمية عن معارك الأمة مع أعدائها، ولا تقل ضراوة عن ضراوة المعارك الشرسة التي تدور رحاها في ميداين الجهاد المختلفة، ذلك أنها معركة البقاء والكينونة، معركة العقيدة السامقة والانتصار للمبادئ بأغلى ثمن، إنها معركة يتجلى فيها طغيان وجبروت الظلم كالوحش يريد أن ينقض على فرسان العزيمة والإباء، جنود الإسلام الأسرى الأشاوس، ليرجعوا عن دينهم، فما يلبث أن يتقزم هذا الوحش لمهابة الطلّة، طلة الإيمان الراسخ المتجذر، ذلك أنها طلّة تنورت من معين القرآن ومن هدي خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، فلم يعد يهم صاحبها موت ولا تعذيب ، لم تعد تساوي عنده اللحظات العسيرة إلا زيادة أجر على الابتلاء. فمن يقدر على هزيمة من يزيده الابتلاء ثباتا واعتزازا واستبشارا. من لا يزيده طغيان السجان وظلمه إلى رقيا في مراتب الوصال السماوي وقربا من رب السموات والأرض، فأي انتصار يجرأ على المنافسة!.

في هذا الكتاب الذي ينبض بالحكمة والمحبة، وتتلألأ حروفه بحبر من الخبرة والتجربة والمشاعر الصادقة والمفاهيم الثابتة، يصور لنا الشيخ أبو حذيفة السوداني حفظه الله وتقبل منه رباطه في الأسر، يصور لنا بأسلوبه الأنيق والهادئ جمال وروعة النفوس المبتلاة في سجون الظلم والقهر الطاغوتية، يقفز بنا تارة إلى أدب السجون، وتارة لأخلاق الأسرى، أو يعرج بنا على تفانيهم وتنظيمهم وصبرهم رغم مكر السجان، فيبحر بنا في خيال ماتع عاشه حقيقه إخوان لنا لا زالوا في معركة السجن يسطرون قصة عبقرية الثبات في أحلك الظروف، وآخرون نجاهم الله فلا زالوا يحمدون ربهم ويشكرون، وآخرون سبقوا إلى بوابة السماء رحمهم الله وتقبل منهم وجزاهم عن صبرهم وثباتهم خير الجزاء.

ولأنه كلم خط بروح أسير مجاهد، انتهل من ساحات الصبر والمصابرة ما يكفيه لأن ينسج بديع الحكم ، فيوثق بها التاريخ ويستخلص بها عذب الحديث والتجربة من قلب أسر مظلم، سارعت بيت المقدس للعناية بهذه الدرر ولجمع هذه الخواطر في كتاب واحد ينير رفوف مكتباتنا الإسلامية والجهادية، لعلنا نتعلم من خلال العيش مع روح الكاتب ونسيج حروفه، كيف يصنع الابتلاء من الرجال منابر علم وهدى وعطاء.

إن كل حرف خطه الأسير البصير، وكل نفس وكل إحساس، لكفيل بأن ينبهنا لجمال الروح المسلمة الصابرة المبتلاة ويحذرنا من مغبة التقصير في ذكر هؤلاء النبلاء ويدفعنا للسعي لفكاك أسرهم وبينهم طفاحلة العلم والنجباء، في زنازين انفرادية يسبحون بالليل والنهار. لا تزال معركتهم تدور رحاها، وفي كل يوم انتصار يبرق في فضاء السجن، بين ثبات وصبر وتذاكر في الله، بين حفظ لكتاب الله وتدارس لعلوم الإسلام وتسابق في الخدمة وعطاء الإيخاء، بين ابتسامة في وقت قهر تقتلع غرور الظالم، معاني راقية جدا ستجدونها في هذا السفر الماتع، لمن أحسن القراءة بقلبه والاستشعار.

فجزا الله الشيخ أبي حذيفة السوداني خير الجزاء على مشاركتنا هذه الخواطر البهية وهذا التاريخ الثقيل، ونرجو أن يحذو حذوه كل صاحب تضحية وتجربة فريدة عظيمة، حتى نتعاون على البر والتقوى ونتواصى بالحق ونتواصى بالصبر.

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.